عبد الفتاح عبد الغني القاضي

12

شرح النظم الجامع لقراءة الإمام نافع

ومعنى « ضمنتها » جعلتها متضمنة ومشتملة على حروف نافع والحروف جمع حرف . ومعناه في اللغة الطرف من كل شئ ، وواحد حروف التهجي . والمراد به هنا الكلمة القرآنية التي يقرؤها نافع بوجه معين ، فحروف نافع عبارة عن الكلمات القرآنية التي يقرؤها نافع بهيئة خاصة ، وفي إطلاق الحرف على الكلمة مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل . ونافع هو أحد الأئمة القراء الذين اشتهر ذكرهم في جميع الآفاق ، ووقع على فضلهم وجلالتهم الاتفاق ، وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم ، وكنيته أبو رويم ، وهو مدنىّ نسبة إلى مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأصله من أصبهان ، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة ، وكان أسود شديد السواد ، وكان رضى اللّه عنه عالما خاشعا مجابا في دعائه ، إماما في علم القرآن ، وعلم العربية . أمّ الناس في الصلاة بمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ستين سنة ، قرأ على سبعين من التابعين ، وقرأ على مالك رضى اللّه عنه الموطأ ، وقرأ عليه مالك القرآن ، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة وأجمع عليه الناس بعد شيخه أبى جعفر ، وقرأ عليه مائتان وخمسون رجلا ، وكان إذا تكلم تشم من فيه [ فمه ] رائحة المسك فقيل له يا أبا عبد الرحمن : أتطيب كلما قعدتّ تقرئ الناس القرآن ؟ فقال : ما أمس طيبا ، ولكني رأيت فيما يرى النائم النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ في فىّ ، وفي رواية يتفل في فىّ فمن ذلك الوقت تشمّ من فىّ هذه الرائحة . ولد رضى اللّه عنه سنة سبعين ، وتوفّى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة ، وروى أنه لما حضرته الوفاة قال له أبناؤه أوصنا فقال لهم : اتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا اللّه ورسوله إن كنتم مؤمنين . وقد نقل عن نافع راويان : قالون ، وورش . فأما قالون فهو عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمر بن عبد اللّه المدني ، وكنيته أبو موسى . قرأ على نافع سنة خمسين ومائة ، ولازمه كثيرا ، ويقال إنه كان ربيبه ، ولقبه قالون ، قيل إن شيخه نافعا هو الذي لقّبه به لجودة قراءته ؛ فإن معنى قالون بلغة الروم جيد ، وكانت مدة قراءته على نافع خمسين سنة ، وكان رضى اللّه عنه قارئ المدينة ونحويّها ، قيل كان أصمّ لا يسمع البوق « 1 » ، فإذا قرئ عليه القرآن سمعه ، وقيل

--> ( 1 ) البوق : آلة ينفخ فيها فتحدث صوتا قويا ، ويتخذها اليهود ليجتمعوا للصلاة كما ورد في حديث الأذان . مصححه .